(رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)
تصبحون على خير 💤 | #مهند_الريكاني
تصبحون على خير 💤 | #مهند_الريكاني
(على اسوار الصدمة الحضارية)
أحيانًا، أو كما أرى غالبًا، إن للبيئة تأثير على الفكر الناشئ، والمنظومة الاجتماعية لها تأثير على نشأة ما أسميه “العاطفة الفكرية” لدينا. وفكر ومشاعر وتفاعل العقل الجمعي قد يحدد ثوابت العوام منا لتصل بعض الأفكار والثوابت إلى القدسية التي من الجريمة مجرد النقاش فيها وليس نسفها، حتى التيارات التي قد ننتمي لها أو نؤيدها، الغالبية العظمى منا تبِعها لميول عاطفة دينية أو فكرية أو تشابه مذهبي، وليس عن نقد بناء.
أحيانا عندما تقول لشخص اقرأ لبرنارد راسل يقول لك قاتلك الله هذا أبو الملاحدة وهو في داخله يتخوف من أن تهز أفكاره، يحب دائما أن يخدر نفسه بقراءة أفكار تؤيد لما يذهب إليه وهذا سلوك موجود عند الكثيرين، لا يحب أن يقرأ ما يزعجه نتيجة لكسل فكري.
فيما مضى، كنا نتحدث عن الأصولية، كان صديقي راديكاليًّا، الفكر الذي يحمله كان متجذرًا فيه لدرجة أني رأيت أنه لا أمل من أن يلين فكره قليلا.
قد لا يهمني كثيرًا، غير أني وجدته مؤخرًا يثير أسئلة لم أتوقع أن يثيرها شخص مثله. عندما حدثته ذكر أنه قد سافر مؤخرًا إلى إحدى الدول الغربية (مغترب)، وشارك هناك في بعض الندوات والحوارات الثقافية، وحدث عنده نوع من الصدمة، عندما اهتز فكره الذي قدسه، وتعرضت الثوابت لديه لتساؤلات حادة لم يجد إجابة عنها بسهولة.
ولكي لا يكون مصطلح الصدمة الحضارية ضبابيًّا، هذا موجز بسيط عنه:
ظهر مصطلح الصدمة الحضارية Culture Shock ببحث نشره Kalvero Oberg سنة 1954 ثم يذكر أطوارها الأربعة التي يمر بها الإنسان المغترب وهي:
1- مرحلة شهر العسل (Honeymoon Phase)
2- مرحلة التفاوض (Negotiation Phase)
3- مرحلة التوافق (Adjustment Phase)
4- مرحلة التكّيف (Adaption Phase)
وينقسم في مراحل التوافق الناس ثلاثى أقسام تبعا لاختلاف ثقافاتهم وعاداتهم إيمانهم وحتى العامل النفسي إلى: رافض، ومندمج، ونوع ثالث واعٍ جدا وهو الذي نطمح له، وهم من يستفيدون من الإيجابيات ويدمجونها مع إيجابياتهم الفكرية الأصلية ويدعون كل ماهو سلبي. والبحث عميق في هذا المجال لمن أراد أن يرجع إليه متوفر.
لكن ما يهمني هو أن الاختلافات الفكرية والحضارية أحيانًا قد تشكل تحديًا كبيرًا خاصة عندما ينشأ الفرد في بيئة راكدة فكريا، في بيئة تعارض مناقشة الثوابت، لتصطدم بسلوك وعقليات وفكر يثير فيك تساؤلات حادة عن الثوابت لديك، خاصة بالنسبة للأشخاص الذين لديهم مستوى ثقافي متدنٍ، خاصة بالنسبة للاشخاص الذين تلقوا تلك الثوابت بناء على مشاعرهم وبيئتهم وعما ورثوه من آبائهم وأجدادهم، هذا كله قد يكون خطرًا على صاحبه.
لا يخشى هذه الصدمة الحضارية أولئك الذين تلقوا تلك الثوابت عن دراية ويقين وتساؤلات مثيرة، عن قراءة فكرية مستفيضة، أولئك الذين لا يخشون النقاش بحثا عن الحقيقة وإنما يقر به أينما وجد، غالبا ما تؤدي هذه الصدمة إلى طريقين أحدهما سلبي والآخر إيجابي.
السلبي أنه أحيانا ما يكون هناك رفض لكل شيء كنتيجة لقصور فكري وتعالٍ شخصي فينتج لنا الراديكاليون الأكثر عنفا ورفضا للإصلاح والتحديث في المجتمعات، أو أنه يصدم حضاريًّا فتؤدي الصدمة إلى ذوبانه في تلك الحضارة وتلقيهِ حزمة قيم ايجابية وسلبية فينحرف تمامًا عن المنهج الذي انتهجه سابقًا ويرتد عن فكره، ليصبح أكثر عداءً لتلك الأفكار التي كونته يومًا ما، بكلتا الحالتين هي حالة سلبية.
الإيجابي أنه قد يستوعب تلك الصدمة في مراجعات وإصلاحات ذاتيه ونهضة فكرية ليجد توليفة مناسبة بين فكره والقيم الأخرى التي تتناسب مع حزمة القيم لديه لينتج فكرًا أكثر متانة وأكثر فاعلية لتحريك المجتمعات وهذا ما وجدناه في أمثلة كثيرة.
كما حدث في الحروب الصليبية وقبلها في الأندلس عندما التقت أوروبا التي كانت متخلفة على كل المستويات بالحضارة الإسلامية التي كانت تحكم العالم، فحدثت الصدمة الحضارية لدى أوروبا والتي ساهمت في النهضة الأوروبية الحديثة.
بالنهاية قد تكون الصدمة الحضارية سلاحًا ذا حدين، فقد تكون إيجابية وقد تكون سلبية اعتمادًا على عوامل كثيرة وأيضًا اعتمادًا على مدى قابلية الفرد للاستيعاب الفكري.
تذكر دائمًا، هناك تجديد، وأينما وجد التجديد فإن أنصار المدرسة التقليدية سيعملون على مجابهته والهجوم عليه.
مهند الريكاني
جميع الحقوق محفوظة
المقال منشور على صفحة Sasa post لمن اراد المتابعة على الرابط ادناه:
http://www.sasapost.com/opinion/cultural-stuck/
لأسئلتكم حول المقال يرجى ارسال الاسئلة على البوت ادناه وسأجيب عنها باقرب فرصة:
@Askmohands89bot
أحيانًا، أو كما أرى غالبًا، إن للبيئة تأثير على الفكر الناشئ، والمنظومة الاجتماعية لها تأثير على نشأة ما أسميه “العاطفة الفكرية” لدينا. وفكر ومشاعر وتفاعل العقل الجمعي قد يحدد ثوابت العوام منا لتصل بعض الأفكار والثوابت إلى القدسية التي من الجريمة مجرد النقاش فيها وليس نسفها، حتى التيارات التي قد ننتمي لها أو نؤيدها، الغالبية العظمى منا تبِعها لميول عاطفة دينية أو فكرية أو تشابه مذهبي، وليس عن نقد بناء.
أحيانا عندما تقول لشخص اقرأ لبرنارد راسل يقول لك قاتلك الله هذا أبو الملاحدة وهو في داخله يتخوف من أن تهز أفكاره، يحب دائما أن يخدر نفسه بقراءة أفكار تؤيد لما يذهب إليه وهذا سلوك موجود عند الكثيرين، لا يحب أن يقرأ ما يزعجه نتيجة لكسل فكري.
فيما مضى، كنا نتحدث عن الأصولية، كان صديقي راديكاليًّا، الفكر الذي يحمله كان متجذرًا فيه لدرجة أني رأيت أنه لا أمل من أن يلين فكره قليلا.
قد لا يهمني كثيرًا، غير أني وجدته مؤخرًا يثير أسئلة لم أتوقع أن يثيرها شخص مثله. عندما حدثته ذكر أنه قد سافر مؤخرًا إلى إحدى الدول الغربية (مغترب)، وشارك هناك في بعض الندوات والحوارات الثقافية، وحدث عنده نوع من الصدمة، عندما اهتز فكره الذي قدسه، وتعرضت الثوابت لديه لتساؤلات حادة لم يجد إجابة عنها بسهولة.
ولكي لا يكون مصطلح الصدمة الحضارية ضبابيًّا، هذا موجز بسيط عنه:
ظهر مصطلح الصدمة الحضارية Culture Shock ببحث نشره Kalvero Oberg سنة 1954 ثم يذكر أطوارها الأربعة التي يمر بها الإنسان المغترب وهي:
1- مرحلة شهر العسل (Honeymoon Phase)
2- مرحلة التفاوض (Negotiation Phase)
3- مرحلة التوافق (Adjustment Phase)
4- مرحلة التكّيف (Adaption Phase)
وينقسم في مراحل التوافق الناس ثلاثى أقسام تبعا لاختلاف ثقافاتهم وعاداتهم إيمانهم وحتى العامل النفسي إلى: رافض، ومندمج، ونوع ثالث واعٍ جدا وهو الذي نطمح له، وهم من يستفيدون من الإيجابيات ويدمجونها مع إيجابياتهم الفكرية الأصلية ويدعون كل ماهو سلبي. والبحث عميق في هذا المجال لمن أراد أن يرجع إليه متوفر.
لكن ما يهمني هو أن الاختلافات الفكرية والحضارية أحيانًا قد تشكل تحديًا كبيرًا خاصة عندما ينشأ الفرد في بيئة راكدة فكريا، في بيئة تعارض مناقشة الثوابت، لتصطدم بسلوك وعقليات وفكر يثير فيك تساؤلات حادة عن الثوابت لديك، خاصة بالنسبة للأشخاص الذين لديهم مستوى ثقافي متدنٍ، خاصة بالنسبة للاشخاص الذين تلقوا تلك الثوابت بناء على مشاعرهم وبيئتهم وعما ورثوه من آبائهم وأجدادهم، هذا كله قد يكون خطرًا على صاحبه.
لا يخشى هذه الصدمة الحضارية أولئك الذين تلقوا تلك الثوابت عن دراية ويقين وتساؤلات مثيرة، عن قراءة فكرية مستفيضة، أولئك الذين لا يخشون النقاش بحثا عن الحقيقة وإنما يقر به أينما وجد، غالبا ما تؤدي هذه الصدمة إلى طريقين أحدهما سلبي والآخر إيجابي.
السلبي أنه أحيانا ما يكون هناك رفض لكل شيء كنتيجة لقصور فكري وتعالٍ شخصي فينتج لنا الراديكاليون الأكثر عنفا ورفضا للإصلاح والتحديث في المجتمعات، أو أنه يصدم حضاريًّا فتؤدي الصدمة إلى ذوبانه في تلك الحضارة وتلقيهِ حزمة قيم ايجابية وسلبية فينحرف تمامًا عن المنهج الذي انتهجه سابقًا ويرتد عن فكره، ليصبح أكثر عداءً لتلك الأفكار التي كونته يومًا ما، بكلتا الحالتين هي حالة سلبية.
الإيجابي أنه قد يستوعب تلك الصدمة في مراجعات وإصلاحات ذاتيه ونهضة فكرية ليجد توليفة مناسبة بين فكره والقيم الأخرى التي تتناسب مع حزمة القيم لديه لينتج فكرًا أكثر متانة وأكثر فاعلية لتحريك المجتمعات وهذا ما وجدناه في أمثلة كثيرة.
كما حدث في الحروب الصليبية وقبلها في الأندلس عندما التقت أوروبا التي كانت متخلفة على كل المستويات بالحضارة الإسلامية التي كانت تحكم العالم، فحدثت الصدمة الحضارية لدى أوروبا والتي ساهمت في النهضة الأوروبية الحديثة.
بالنهاية قد تكون الصدمة الحضارية سلاحًا ذا حدين، فقد تكون إيجابية وقد تكون سلبية اعتمادًا على عوامل كثيرة وأيضًا اعتمادًا على مدى قابلية الفرد للاستيعاب الفكري.
تذكر دائمًا، هناك تجديد، وأينما وجد التجديد فإن أنصار المدرسة التقليدية سيعملون على مجابهته والهجوم عليه.
مهند الريكاني
جميع الحقوق محفوظة
المقال منشور على صفحة Sasa post لمن اراد المتابعة على الرابط ادناه:
http://www.sasapost.com/opinion/cultural-stuck/
لأسئلتكم حول المقال يرجى ارسال الاسئلة على البوت ادناه وسأجيب عنها باقرب فرصة:
@Askmohands89bot
ساسة بوست
مهند ألريكاني يكتب: على أسوار الصدمة الحضارية | ساسة بوست
أحيانًا، أو كما أرى غالبًا، إن للبيئة تأثير على الفكر الناشئ، والمنظومة الاجتماعية لها تأثير على نشأة ما أسميه “العاطفة الفكرية” لدينا. وفكر ومشاعر وتفاعل العقل الجمعي قد يحدد ثوابت العوام منا لتصل بعض الأفكار والثوابت إلى القدسية التي من الجريمة مجرد النقاش…
اسأل انا يا لـــــيل ودتنا دنيانا
اسأل انا يا طير ينطينه جنحانه
اسأل حبيبي شوكت تجمعنه الولايات
غربة ودموع وسهر خلص عمرنا وفات
تصبحون على خير 🌹
اسأل انا يا طير ينطينه جنحانه
اسأل حبيبي شوكت تجمعنه الولايات
غربة ودموع وسهر خلص عمرنا وفات
تصبحون على خير 🌹
الحب الذي لا يجعل منك شخصا اخر افضل من السابق ولم يغيرك نحو الافضل ، لا تتعب نفسك معه.
الحب فن الارتقاء نحو الاسمى | #مهند_الريكاني
الحب فن الارتقاء نحو الاسمى | #مهند_الريكاني
(عملية اغتيال روح انهزامية)
بدايةً علية الاعتراف أن عملية استئصال هذا الورم ليس بالأمر السهل، وكذلك القرآن عندما استئصل هذا الورم، وعندما اغتال هذهِ الروح الانهزامية تدرج في سبيل تحقيق ذلك.
1- من واقعنــــا:
كثير من الانهزاميين يتصورون أن الأمر محال علينا أن نصل لبعض ما وصلت إليه حضارات أخرى (غربية, شرق أسيوية, … إلخ)، ولسان أحدهم اليوم يقول: “الفرق بيننا وبينهم كالفرق بين السماء والأرض” وربما يكون التعبير صحيحا، وهم كذلك، لكن هذا لا يعني أن نتقاعس، وأن يبعث ذلك على إذكاء الروح الانهزامية، وترك الأمور كما هي، وانتظار المخلص أو الادعاء والتبرير، كمقولة: (الجنة لنا والنار لهم).
ومن هذه التبريرات التي لا أحب أن أصفها بشيء، وبسبب هذه الروح ولأسباب أخرى أيضا ترى أن الخمول يعم الأمة بأفكارها وأهدافها وسقف تطلعاتها وترى الموظف البسيط (ليس العموم وإنما أتحدث عن البعض) يجد في التعيين والوظيفة راحة العمر، ولا يبالي بها، ولسان أحدهم يقول: (ما شأني أنا؟ ليحدث ما يحدث، المهم راتبي يصلني!)، فتراه يتنصل من التكاليف، ولا يؤدي الأمور على وجه التمام، وتراه متقاعسا يشعر بالضيق والتعب واللامبالاة والروتين؛ لأنه ليس له هدف، وليس له ما ينجزه، وقد يجد لك تبريرات عندما تتحدث له عن وجوب استئصال هذا الورم، وقد يرى في أناس مثلي إنسان غارقا في الخيال ولا بأس.
حتى أولئك الذين لديهم بصيص أمل قد تسربت فكرة الانهزام إلى بعض جوانب حياتهم، حتى وإن لم يشعروا بها، لكن الصدمة الحضارية، ورؤية نتائج الآخرين أحيانا لا تجعلهم يتحفزون للمنافسة بقدر ما يجعلهم يشعرون بالتعب والندم والانهزام، والأمثلة كافية فيما أوردت وأنتم على يقين بها.
2- عملية استئصال الورم والجيل الاول من المسلمين:
عندما استئصال القرآن الكريم هذا الورم في حياة الجيل الأول من المسلمين استغرق أكثر من عشر سنوات، وهذا الاستئصال جاء بالتدريج؛ لكي يربى النفوس ويثبت العقيدة، بل تدرج معهم في الفهم إلى أن تعرف المسلمون أو الجيل الأول على مفردة الاستخلاف، ومن ثم مشتقاتها.
تعرفوا عليها بصفة فردية في المرحلة المكية، بصفة النبي داوود عليه السلام، ومن ثم بدأ القرآن رحلة طويلة مع المسلمين؛ لتشكيل بنية متينة جدا، ستغير وجه التاريخ وتشكل حضارة من أعدل وأرقى صور الحضارة، التي وجدت على وجه الأرض، وهذه العملية قد مرت بمراحل وقطعت شوطا؛ لكي تبصر النور.
إن الإنسان بطبيعته ينسى، وقد نسي شيئا من أهم الأشياء على الإطلاق: هو أنه خليفة الله في الأرض، واليوم يظن البعض أن الخلافة تعني وجود خليفة ونظام إسلامي فقط، ولكن ينسى أنه نفسه يجب أن يقيم هذا المشروع، وأنه هو الجندي المجهول في هذه المنظومة، ولكن للأسف، في طبيعتنا دوما ما يجعلنا ننتظر مخلصا أو نبحث عن تبريرات، ودائما ما يظلم الإنسان نفسه، كما يقول تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) سورة يونس.
وكيف يكون ظلم الإنسان لنفسه؟ يظلم الإنسان نفسه بأن لا يكون على ما خلق لأجله، وسبب وجوده، أن يقضي حياته في شيء آخر غير الذي خلق من أجله: لحياة جمع المال، والحصول على علاقات جنسية، وحياة الحصول على الشهرة، وغيرها من الأمور التافهة التي لا تضيف شيئا، وهو يراه الهدف من الحياة أو على الأقل من حياتهِ، كل أنواع المظالم التي وجدت وعاشتها البشرية تجد جذورها في هذا السياق، ظلم الإنسان لنفسه فكريا وأخلاقيا واجتماعيا وغيرها الكثير.
3- واقعنا وواقعهم على وجه المقارنة:
تخيل معي أن تكون في جزيرة صحراوية وأنت من البدو، ولا تملك شيئا إلا القليل، ربما تكون وقتها من العبيد والبيوت من طين أو لربما لديك خيمة، وترى حينها حضارة الروم بآلياتها وقلاعها واتساع رقعة جغرافيتها، وكذلك الحضارة الفارسية بمواردها وجمال طبيعتها وكنوزها الذهبية وقوتها القتالية، ماذا سيكون شعورك؟
أجيب بالنيابة عنك: ستشعر بهيبة تلك الحضارات، وأنها ـ كما اليوم ـ تسبقك بآلاف السنين، وأنه لا سبيل إلى اللحاق بهم، لهذا تبقى كما أنت في بيتك الطيني، وترعى ماشيتك إلى أن تموت وكذلك باقي الأجيال، (مثل اليوم، وإن اختلف الأدوات، لكن الروح والمشاعر واحدة).
لكن هذا الحال لا يدوم مع الجيل الاول: مسلمو مكة، والذين رباهم القرآن، وبث فيهم روح “الإيمان بالإمكان” كما يصفه الدكتور أحمد خيري العمري، وأن إمكانية أن تكون خليفة، ويكون لك هدف، هذه الفكرة هي التي تثبت لك العقيدة، وتجعل هذا النقص، وهذا الفارق، وتلك الهوة بينك وبين تلك الأمم تتلاشى، وهذه أهم نقطة في درب الحضارة والاستخلاف.
لذلك استأصل القران هذا الورم، وهزم فيهم روح الوهن والضعف والانهزام، وذلك الشعور المألوف بأنهم سبقونا بقرون، وأنه لا مناص من اللحاق بهم، وعزز فيهم روح الإيمان بالإمكان أي بإمكانية أن تكون الخليفة. إمكانية أن تكون المصلح، إمكانية أن تكون أمة، إمكانية أن تكون حضارة، وهذا ما حدث لقرون عديدة مع الحضارة ال
بدايةً علية الاعتراف أن عملية استئصال هذا الورم ليس بالأمر السهل، وكذلك القرآن عندما استئصل هذا الورم، وعندما اغتال هذهِ الروح الانهزامية تدرج في سبيل تحقيق ذلك.
1- من واقعنــــا:
كثير من الانهزاميين يتصورون أن الأمر محال علينا أن نصل لبعض ما وصلت إليه حضارات أخرى (غربية, شرق أسيوية, … إلخ)، ولسان أحدهم اليوم يقول: “الفرق بيننا وبينهم كالفرق بين السماء والأرض” وربما يكون التعبير صحيحا، وهم كذلك، لكن هذا لا يعني أن نتقاعس، وأن يبعث ذلك على إذكاء الروح الانهزامية، وترك الأمور كما هي، وانتظار المخلص أو الادعاء والتبرير، كمقولة: (الجنة لنا والنار لهم).
ومن هذه التبريرات التي لا أحب أن أصفها بشيء، وبسبب هذه الروح ولأسباب أخرى أيضا ترى أن الخمول يعم الأمة بأفكارها وأهدافها وسقف تطلعاتها وترى الموظف البسيط (ليس العموم وإنما أتحدث عن البعض) يجد في التعيين والوظيفة راحة العمر، ولا يبالي بها، ولسان أحدهم يقول: (ما شأني أنا؟ ليحدث ما يحدث، المهم راتبي يصلني!)، فتراه يتنصل من التكاليف، ولا يؤدي الأمور على وجه التمام، وتراه متقاعسا يشعر بالضيق والتعب واللامبالاة والروتين؛ لأنه ليس له هدف، وليس له ما ينجزه، وقد يجد لك تبريرات عندما تتحدث له عن وجوب استئصال هذا الورم، وقد يرى في أناس مثلي إنسان غارقا في الخيال ولا بأس.
حتى أولئك الذين لديهم بصيص أمل قد تسربت فكرة الانهزام إلى بعض جوانب حياتهم، حتى وإن لم يشعروا بها، لكن الصدمة الحضارية، ورؤية نتائج الآخرين أحيانا لا تجعلهم يتحفزون للمنافسة بقدر ما يجعلهم يشعرون بالتعب والندم والانهزام، والأمثلة كافية فيما أوردت وأنتم على يقين بها.
2- عملية استئصال الورم والجيل الاول من المسلمين:
عندما استئصال القرآن الكريم هذا الورم في حياة الجيل الأول من المسلمين استغرق أكثر من عشر سنوات، وهذا الاستئصال جاء بالتدريج؛ لكي يربى النفوس ويثبت العقيدة، بل تدرج معهم في الفهم إلى أن تعرف المسلمون أو الجيل الأول على مفردة الاستخلاف، ومن ثم مشتقاتها.
تعرفوا عليها بصفة فردية في المرحلة المكية، بصفة النبي داوود عليه السلام، ومن ثم بدأ القرآن رحلة طويلة مع المسلمين؛ لتشكيل بنية متينة جدا، ستغير وجه التاريخ وتشكل حضارة من أعدل وأرقى صور الحضارة، التي وجدت على وجه الأرض، وهذه العملية قد مرت بمراحل وقطعت شوطا؛ لكي تبصر النور.
إن الإنسان بطبيعته ينسى، وقد نسي شيئا من أهم الأشياء على الإطلاق: هو أنه خليفة الله في الأرض، واليوم يظن البعض أن الخلافة تعني وجود خليفة ونظام إسلامي فقط، ولكن ينسى أنه نفسه يجب أن يقيم هذا المشروع، وأنه هو الجندي المجهول في هذه المنظومة، ولكن للأسف، في طبيعتنا دوما ما يجعلنا ننتظر مخلصا أو نبحث عن تبريرات، ودائما ما يظلم الإنسان نفسه، كما يقول تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) سورة يونس.
وكيف يكون ظلم الإنسان لنفسه؟ يظلم الإنسان نفسه بأن لا يكون على ما خلق لأجله، وسبب وجوده، أن يقضي حياته في شيء آخر غير الذي خلق من أجله: لحياة جمع المال، والحصول على علاقات جنسية، وحياة الحصول على الشهرة، وغيرها من الأمور التافهة التي لا تضيف شيئا، وهو يراه الهدف من الحياة أو على الأقل من حياتهِ، كل أنواع المظالم التي وجدت وعاشتها البشرية تجد جذورها في هذا السياق، ظلم الإنسان لنفسه فكريا وأخلاقيا واجتماعيا وغيرها الكثير.
3- واقعنا وواقعهم على وجه المقارنة:
تخيل معي أن تكون في جزيرة صحراوية وأنت من البدو، ولا تملك شيئا إلا القليل، ربما تكون وقتها من العبيد والبيوت من طين أو لربما لديك خيمة، وترى حينها حضارة الروم بآلياتها وقلاعها واتساع رقعة جغرافيتها، وكذلك الحضارة الفارسية بمواردها وجمال طبيعتها وكنوزها الذهبية وقوتها القتالية، ماذا سيكون شعورك؟
أجيب بالنيابة عنك: ستشعر بهيبة تلك الحضارات، وأنها ـ كما اليوم ـ تسبقك بآلاف السنين، وأنه لا سبيل إلى اللحاق بهم، لهذا تبقى كما أنت في بيتك الطيني، وترعى ماشيتك إلى أن تموت وكذلك باقي الأجيال، (مثل اليوم، وإن اختلف الأدوات، لكن الروح والمشاعر واحدة).
لكن هذا الحال لا يدوم مع الجيل الاول: مسلمو مكة، والذين رباهم القرآن، وبث فيهم روح “الإيمان بالإمكان” كما يصفه الدكتور أحمد خيري العمري، وأن إمكانية أن تكون خليفة، ويكون لك هدف، هذه الفكرة هي التي تثبت لك العقيدة، وتجعل هذا النقص، وهذا الفارق، وتلك الهوة بينك وبين تلك الأمم تتلاشى، وهذه أهم نقطة في درب الحضارة والاستخلاف.
لذلك استأصل القران هذا الورم، وهزم فيهم روح الوهن والضعف والانهزام، وذلك الشعور المألوف بأنهم سبقونا بقرون، وأنه لا مناص من اللحاق بهم، وعزز فيهم روح الإيمان بالإمكان أي بإمكانية أن تكون الخليفة. إمكانية أن تكون المصلح، إمكانية أن تكون أمة، إمكانية أن تكون حضارة، وهذا ما حدث لقرون عديدة مع الحضارة ال